محمد بن علي الشوكاني
5826
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وقال في النهاية ( 1 ) المبذر المسرف في النفقة . وقال في القاموس ( 2 ) وبذره تبذيرا أخربه وفرقه إسرافا . انتهى . وقد عرفت أن معنى التبذير كمعنى الإسراف في اللغة والشرع ، والعجب أن صاحب النهاية ، وصاحب القاموس ذكرا في مادة الإسراف أن منه الإنفاق في غير الطاعة ، ولم يقيدا التبذير بمثل ، وما ذلك إلا لكون ذكر الإنفاق في غير طاعة في معنى السرف من خلط المعاني اللغوية بالمعاني الشرعية . فإن قلت : تقد كانت العرب تتمادح بإخراج المال دفعة واحدة ، والتكرم بما يجده الإنسان ، وإن لم يجد بعد ما يسد رمقه فضلا عن أن يجد غيره ، كالواقعات من العرب المشهورين بالكرم مثل : حاتم ، وكعب بن مامه ، وأمثالهم . قلت : لا شك في تمادحهم بذلك ، مع أنهم يسمونه سرفا وتبذيرا ، وهم إذ ذاك على جاهليتهم لم يعلموا بقبح ذلك في الشرع ، والمقصود الذي تقوم به الحجة هنا أنهم يسمونه سرفا ، فوجب حمل الأدلة الواردة في النهي عن السرف على هذا المعنى العربي ، ولا ينافي ذلك وقوع التمادح به ، فإنه لم يكن البحث في كون السرف مما يتمادح به من لم يتقيد بالشرع ، بل في صدق اسم السرف عليه ، والرجوع إلى بيان حكمه شرعا . ومعلوم أن العرب قد تمدح من جاد بكل ماله على جهة السرف مدحا زائدا على من جاد ببعضه ، لأن الكرم محبب إلى النفوس ، لا سيما النفوس العربية ، بل قد تجد أهل الإسلام يغفلون عن قبح ذلك شرعا ، ويبالغون في مدح من أسرف بإخراج ماله ، وبذر به لتلك العلة ، وبسبب تلك الطبيعة كما قال الشاعر : وكل يرى طرق الشجاعة والندى . . . ولكن طبع النفس للنفس قائد بل قد يبالغون في الثناء على من جاد بنفسه ، ولو جاد بها في باطل كما في قول
--> ( 1 ) ( 1 / 110 ) . ( 2 ) ( ص 444 ) .